حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

189

التمييز

باله من مضيق ماله ، ولا يغتمّ من مصاب منها أصابه ومناب بها أنابه ، ولا يفرح ولا يعجب من وسّع عليه فيها بل يخاف ويشفق ، ويتّبع الأحوط والأرفق ولا يزري على الفقراء ولا يحتقر المساكين ، ويطلب منازل الزّاهدين . ومن أعرض عن الأعراض فهو الحكيم المتأدّب ، والعفاف زينة الفقر . الراضي بالدّون هو من رضي بالدنيا ومن أعرض عنها لم يأسف على تركها ، ومن عمل في أيّام أمله قبل حضور أجله نفعه عمله ولم يضرّه أجله ، طوبى لمن عمل للبقاء لا للفناء ، وجمع للجود لا للاقتناء ، وجاد لله لا للثناء ، رغّبك اللّه فيما يبقى وزهّدك فيما يفنى ، ووهب لك اليقين الذي لا تسكن القلوب إلّا إليه ، ولا يعوّل في الدّين إلّا عليه . والفقر فقران : فقر خلقة وفقر صفة ، ففقر الخلقة عامّ لكل حادث من العدم مفتقر إلى خالقه ، وهذه حقيقة العبودية ، العبد إلى عناية الامداد أحوج منه إلى نعمة الإيجاد . وأمّا / 80 ب / فقر الصّفة فهو التجرّد من المال ، ومن محبّة العبد لربّه إيثار الفقر والاتصاف به ، ومن تمام محبّة العبد المؤمن لرسول اللّه عليه السلام الاقتداء بأقوال رسول اللّه وأفعاله وأحواله صلى اللّه عليه وسلم ، ومن قوت القلوب : أن النبي عليه الصلاة والسلام احتذى نعلين جديدين فنظر إليهما وخرّ ساجدا ، فقال : « أعجبني حسنهما وتواضعت لله خشية أن يمقتني ثمّ خرج [ بهما ] « 1 » فدفعهما إلى أول فقير رآه ، وأمر عليّا فاحتذى له نعلين عتيقين » « 2 » قال الراوي : فرأيته قد لبسهما [ يعني ] « 3 » جرداوين مقطوعتين « 4 » . وأنّه دخل على سلمان رضي اللّه عنه « 5 » بعض أصحابه عند موته فجزع ، فقيل : ما جزعك يا أبا عبد اللّه وقد كانت لك سابقة في الخير وشهدت مع رسول اللّه مغازي حسنة ! . فقال : إنّ حبيبنا عهد الينا عهده لم نحفظه ، قال : ليكفي

--> ( 1 ) زيادة من قوت القلوب . ( 2 ) جاءت في قوت القلوب : سندتين . ( 3 ) زيادة من قوت القلوب . ( 4 ) قوت القلوب ( 1961 ) 1 / 526 - 527 . ( 5 ) هو سلمان الفارسي من مقدمي الصحابة عمر طويلا ، وهو الذي أشار على النبي ( ص ) بحفر الخندق ، صار أميرا على المدائن فأقام بها وتوفى سنة 36 ه / 656 م ؛ انظر : الاستيعاب 2 / 56 ؛ الإصابة 2 / 92 . طبقات الشعراني 1 / 20 - 21 .